يكتب مصطفى بَيّومي في هذا المقال تحليلاً لافتًا حول الثمن الباهظ الذي دفعته الولايات المتحدة وبريطانيا نتيجة تضليل حرب العراق، وكيف انعكس ذلك لاحقًا على تعامل العالم مع تحذيراتهما قبيل الغزو الروسي لأوكرانيا. نشر الجارديان هذا المقال في الذكرى الرابعة لاندلاع الحرب الشاملة في أوكرانيا، مسلطًا الضوء على أزمة الثقة التي سببتها مغامرة 2003.

 

في 24 فبراير 2022، بدأت روسيا غزوها الواسع لأوكرانيا بعد سنوات من التوتر واحتلال القرم منذ 2014. لم يتوقع كثير من القادة الأوروبيين، بل حتى الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، أن يتحول التصعيد إلى حرب شاملة. غير أن الصواريخ الروسية التي سقطت فجر ذلك اليوم على كييف غيّرت كل شيء، وبدأت أكبر حرب في أوروبا منذ الحرب العالمية الثانية.

 

تحذيرات استخباراتية لم تجد آذانًا صاغية

 

تكشف تقارير لاحقة أن وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية وMI6 البريطانية جمعتا معلومات دقيقة عن نية موسكو شن الغزو، وأبلغتا حلفاءهما الأوروبيين بخطورة الموقف. تجاهلت عواصم أوروبية عدة تلك التحذيرات، ليس فقط بسبب سوء تقدير بوتين، بل أيضًا بسبب فقدان الثقة في مصداقية واشنطن ولندن بعد كارثة العراق.

 

ينقل التقرير حوارًا حادًا بين وزير خارجية أوروبي وأنتوني بلينكن، حيث قال الأول: “أنا كبير بما يكفي لأتذكر 2003… وكنت من الذين صدقوكم آنذاك.” عبّر هذا الموقف عن إرث العراق الذي قوض الثقة في التقييمات الاستخباراتية الغربية.

 

دروس العراق.. حين سبقت السياسة الحقيقة

 

قبل غزو العراق عام 2003، قدمت الإدارة الأمريكية وحكومة توني بلير مبررات ترتكز على امتلاك صدام حسين أسلحة دمار شامل. كرر الرئيس جورج بوش ومسؤولوه تلك الادعاءات مئات المرات. لاحقًا، أثبتت الوقائع عدم وجود تلك الأسلحة.

 

خلصت لجنة حكومية أمريكية عام 2005 إلى أن أجهزة الاستخبارات أخطأت بصورة شبه كاملة في تقييماتها قبل الحرب. كشف الأرشيف الأمني بجامعة جورج واشنطن أن الضغط السياسي سبق التحليل الاستخباراتي، وأن حملة العلاقات العامة للحرب سبقت جمع الأدلة. أظهرت تقارير بريطانية، بينها تقرير شيلكوت، أن الاستخبارات البريطانية شاركت في تضخيم معلومات غير موثوقة.

 

أدى هذا التضليل إلى كارثة إنسانية في العراق والمنطقة، لكنه كذلك أفضى إلى خسارة جسيمة في مصداقية الولايات المتحدة وبريطانيا. يرى بَيّومي أن تلك اللحظة دشنت عصر “ما بعد الحقيقة”، حيث اهتزت ثقة الرأي العام والمؤسسات الدولية في المعلومات الرسمية.

 

أوكرانيا وثمن فقدان الثقة

 

عندما حذرت واشنطن ولندن من غزو وشيك لأوكرانيا، لم تجد التحذيرات الاستجابة المطلوبة. أثبتت الأيام صحة توقع الغزو، لكن الاستخبارات أخطأت في تقدير سرعة تقدم روسيا، إذ توقعت هجومًا خاطفًا ينهي الحرب سريعًا. بدل ذلك، اندلعت حرب استنزاف دامية خلّفت أكثر من مليون قتيل وملايين النازحين، فيما سيطرت موسكو على نسبة محدودة إضافية من الأراضي منذ 2022.

 

يتساءل الكاتب: هل كان يمكن تجنب هذا المسار لو صدقت أوروبا التحذيرات؟ يصعب الجزم بذلك. غير أن الدرس الأهم واضح: لا تستطيع دولة أن تخدع العالم سنوات ثم تتوقع أن تحظى بالثقة عند الحاجة. تبنى السمعة على المصداقية لا على القوة، وكل تراجع في الثقة يساوي تراجعًا في النفوذ.

 

يحذر بَيّومي من أن تجاهل هذه الدروس قد يقود إلى أخطاء جديدة، خاصة مع تصاعد الحديث عن صراع محتمل مع إيران. عندما تعلن القيادة الأمريكية “تدمير” منشآت نووية ثم تعود للحديث عن تهديد قائم، فإن الرسالة الضمنية توحي بأن الاستخبارات أصبحت أداة سياسية لا مرجعية موضوعية.

 

يخلص الكاتب إلى أن العالم انتقل من مرحلة “الاستخبارات السيئة” إلى مرحلة “غياب الاستخبارات”، وأن الشعوب، من العراق إلى أوكرانيا، تدفع ثمن قرارات سياسية متهورة. يذكّر هذا الواقع بأن فقدان المصداقية لا يضر بصورة الدولة فحسب، بل يعيد تشكيل موازين الثقة العالمية ويؤثر في مصائر الأمم.


www.theguardian.com/commentisfree/2026/feb/26/us-intelligence-iraq-war-ukraine